مقدمة في التسويق

الاستهداف في التسويق الاستراتيجي – الدرس 8

مقدمة في التسويق

باسم الله الرحمن الرحيم

في الدرس السابق، تعرفنا على أول خطوات التسويق الاستراتيجي، و هي تقسيم السوق من خلال الارتكاز على حاجات أو معايير معينة.

أما في هذا الدرس، فسنتحدث عن الخطوة التالية، و هي الاستهداف.

مرحلة الاستهداف

بعدما تقوم الشركة باختيار سوق معين و تقسيمه إلى مجموعات متجانسة من المستهلكين، لا بد أن تحدد كخطوة تالية أي قسم أو مجموعة ستركز عملها عليها، و هذا ما ينبني عليه الاستهداف، أي أنها تختار فئتها المستهدفة Target.

يعتبر اختيار الفئة المستهدفة خطوة صعبة، ذلك أن اختيار المستهلكين المستهدفين يؤثر بشكل مباشر على سيرورة الشركة و نجاحها. و من أجل تجنب اللُّبس و عدم الوضوح في الاختيار، يتم وضع معايير معينة تختار الشركة على أساسها فئتها المستهدفة.

معايير الاستهداف

عند البحث عن أكثر المجموعات جاذبية و أيها أفضل، تقوم الشركة بتشخيص خارجي خاص بكل فئة أو مجموعة، و بتشخيص داخلي لتحديد أهدافها، مواردها و قدراتها.

مرحلة التشخيص

1 – تشخيص المجموعة

تشخيص المجموعة، أو القسم، أو الفئة المستهدفة، يعني تشخيص جزء السوق الذي ستستهدفه الشركة. و ذلك من خلال:

التشخيص الكَمِّي:

أي وصف السوق و جاذبيته من خلال أرقام إحصائية تُمثِّل:

  • حجم الفئة: أي عدد الزبناء المحتملين في فئة معينة؛
  • قابلية النمو: أي أن الفئة المُستهدفة توفر فرصا للنمو و التوسع بالنسبة للشركة؛
  • الربحية: أي أن الاستثمار في هذا الجزء من السوق مُربح للمؤسسة الاقتصادية؛
  • مستوى الخطورة: إذا كان هذا الجزء من السوق صعبا للعمل عليه بسبب عوامل معينة كصعوبة إرضاء المستهلكين، قوانين معينة تقيد عمل الشركة، قلة الاستثمارات في المجال… إلخ.
  • مرونة الأسعار: أي إذا ما كانت الأسعار مرتبطة بحجم الطلب، أي أن أي تغيير فيها سيغير من الطلب أيضا سواء بالارتفاع أو بالانخفاض. (يمكن الإطلاع أكثر على المرونة من هنا).
  • التنافسية: إذا كانت التنافسية في هذا الجزء من السوق شديدة، قد يمثل الأمر صعوبة بالنسبة لشركة جديدة على المنطقة. يمكن دراسة حدة تنافسية سوق معين باستعمال تحليل القوى الخمس المطور من قبل مايكل بورتر (Porter’s five forces analysis).

يمكن الإطلاع أكثر على نموذج بورتر للقوى التنافسية الخمسة عبر هذا الرابط.

و هناك العديد من الجوانب التي يمكن دراستها و تقييمها إلى جانب ما تم ذكره.

التشخيص القِيمي:

يتعلق بتشخيص محيط الشركة ضمن الجزء الذي اختارت استهدافه، و ذلك من أجل تحديد الفرص و التهديدات التي يتعرض لها سوقها، و ما إذا كان العمل على هذا الجزء قرارا صائبا أم لا بد من مراجعته.

يمكن مراجعة البيئة الخاصة بالسوق باستعمال أداة التحليل PESTEL.

يمكن قراءة المزيد عن هذه الأداة من هنا.

2 – تشخيص داخلي

في هذه الخطوة، تقوم الشركة بدراسة نفسها. و ذلك من أجل التعرف على قدراتها و على حدودها.

توجد عدة طرق لتحليل الشركة داخليا، من بين أهم ما ذكر في هذا المجال، تحليل SWOT.

حسب هذا التحليل، تدرس الشركة:

  • مكامن القوة Strengths
  • مكامن الضعف Weaknesses
  • الفرص Opportunities
  • التهديدات Threats

مكامن القوة و مكامن الضعف تشمل الهيكلة الداخلية للمؤسسة، إذ تشير إلى الأمور التي تبرع فيها الشركة أو ما تعتبر جيدة و قوية فيه، و الأمور التي تعتبر غير جيدة فيها و التي تعاني من ضعف على مستواها.

مثال: قد تكون الشركة قوية من حيث تصميم و إنتاج المنتج، و لكنها قد تكون ضعيفة في تسويقها و بيعه.

أما الفرص و التهديدات، فهي تشمل البيئة المحيطة بالشركة، أي الأحداث التي تقع خارجها و التي من شأنها أن تؤثر على عملها إما بشكل إيجابي (حينها نعتبرها فرصا لا بد من استغلاله) أو بشكل سلبي (عندها نعتبرها تهديدات يجب تجنبها أو التقليل من حدتها).

مثال: اتفاقية التبادل الحر مع دولة أخرى، يحمل فرصة و هي تصدير منتجات الشركة دون إخضاعها إلى الرسوم الجمركية مما يجعلها ذات ثمن منافس في السوق الأجنبية. و لكنها في نفس الوقت تحمل تهديدا و ذلك يعني دخول منتجات أجنبية دون رسوم جمركية، مما يرفع المنافسة المحلية ضد منتجات الشركة.

حاليا، يعتبر فيروس كورونا COVID-19 أسوأ التهديدات بالنسبة لاقتصادات العالم كلها، بسبب الحجر الصحي المفروض على بعض المدن في مختلف الدول و توقيف التعاملات التجارية العالمية.

مرحلة الاختيار

عندما تقوم الشركة بدراسة جميع المجموعات و بتشخيص حالتها الداخلية من أهداف و موارد، يحين دور تحديد عدد المجموعات التي ستقوم باستهدافها.

هناك عدة استراتيجيات تخص الاستهداف، تتبع الشركة الاستراتيجية الأنسب لها وفقا لقدراتها و لأهدافها.

1 – استهداف لا متمايز – Undifferentiated targeting

هذه الاستراتيجية تعني استهداف كل السوق، أي كل المستهلكين دون التقسيم بينهم حسب اختلافاتهم.

فالشركة تقوم بالبحث عن ما هو مشترك بين جميع المستهلكين، و تعمل على إنتاج منتجات أو خدمات ترضي الكل.

كنتيجة لهذه الاستراتيجية، تَدَّخر الشركة الكثير من الأموال، فدراساتها التسويقية و الإعلانات التي تقوم بها تكون بسيطة مقارنة مع تكاليف الاستراتيجيات الأكثر تخصصا.

و عند التركيز على إنتاج منتج ما بشكل كبير (Mass Production أو إنتاج شامل ) ، فإنها ستستفيد من تقلص التكلفة الانتاجية مع مرور الوقت ()، و هو ما يسمى “وفورات الحجم” أو Economy of scale.

مع ذلك، فإن لهذه الاستراتيجية حدودا أيضا، بحيث قد يتعرض منتج الشركة إلى منافسة شرسة من شركة منافسة متخصصة في قسم معين من السوق، مما قد يؤدي إلى خسارة جزء معين من عملاء الشركة.

فضلا عن أن تصميم المنتج و إنتاجه لن يكون بالأمر السهل، ذلك أن إرضاء شريحة كبيرة من المستهلكين على اختلاف أعمارهم و أذواقهم و إيديولوجياتهم… صعب جدا.

2 – استهداف متمايز كامل – Complete undifferentiated targeting

هذه الاستراتيجية تقوم أيضا باستهداف كل السوق أيضا، و لكن، على عكس الاستهداف المتمايز، فالاستهداف المتمايز الكامل يضع في عين الاعتبار الاختلافات بين كل قسم.

بشكل آخر، فالشركة تقوم بتقسيم السوق حسب معايير معينة، و تستهدف جميع الأقسام، إلا أنها توفر لكل قسم عرضا خاصا يرضي حاجياته و رغباته. مما يمنح الشركة تنوعا في العروض.

التنوع في العروض و التركيز على مميزات كل قسم من المستهلكين يجعل منتجات الشركة أكثر تنافسية و ترتفع المبيعات بفضل فهم أفضل للفئات المستهدفة.

لكن، كما لهذه الاستراتيجية من فوائد، فلها أيضا عيوب. فالتركيز على عدة فئات في نفس الوقت يجعل تكلفة الدراسات التسويقية كبيرة و بتصنيع منتجات متنوعة يستلزم عدة وحدات إنتاجية. لذا، فإنها استراتيجية مكلفة.

3 – استهداف متمايز جزئي – Partial undifferentiated targeting

في هذه الاستراتيجية، تقوم الشركة بالتركيز و التخصص في عدة أقسام، و لكن ليس في جميعها. فإذا تم تقسيم السوق مثلا إلى 5 مجموعات، قد تختار الشركة التخصص في 3 مجموعات، و هذا هو الاستهداف المتمايز الجزئي.

تقدم الشركة منتجات و خدمات مختلفة حسب كل مجموعة مستهلكين. فهي تضع في عين الاعتبار التمايزات الموجودة بين الأقسام. و لكن هذا قد يؤدي إلى تكاليف عالية على مستوى التسويق و الإدارة، رغم استهداف شريحة كبيرة نوعا ما من السوق.

4 – استهداف مركز – Focused targeting

في هذا النوع من استراتيجيات الاستهداف، تركز الشركة جميع أعمالها حول قسم واحد من أقسام السوق.

بقرار كهذا، تتخصص الشركة في فئة مستهدفة واحدة، و ذلك يجعل منتجاتها أكثر إرضاءً و أقرب لتوقعات الزبناء، مما يزيد من إقبالها عليها و ولائهم لها. إضافة إلى ادخارها الكثير من أموال بفضل تخصصها في مجموعة واحدة، على عكس الاستراتيجيات السابقة.

لكن جعل الشركة كاملة تقوم على فئة واحدة من المستهلكين لهو أمر يحمل نوعا من الخطورة. فبمجرد اختفاء هذه الفئة تنهار أعمال الشركة. فضلا عن أن وجود منافسين أقوياء في نفس القسم من السوق يهدد استمرارية المؤسسة و نجاحها.

5 – تخصص – Niche

في هذه الاستراتيجية، تستهدف الشركة مجموعة مستهلكين صغيرة ذات احتياجات مميزة و خاصة جدا.

باتباع هذا الأسلوب، فإن منتجات الشركة ستكون ذات ثمن مرتفع. و هذا يستدعي ضرورة القيام بدراسة للسوق لمعرفة ما إذا كان المستهلكين المستهدفين مستعدين لدفع ثمن أغلى من أجل منتج يرضي حاجاتهم بشكل أفضل.

كما أنه لا بد من التأكد من أن هذه الفئة المستهدفة مُربِحة. فإذا لم تكن كذلك، لا يجب الاستمرار في الاشتغال عليها.

من الخطوات الهامة أيضا، التأكد من قدرة الشركة على تقليل التكاليف المتعلقة بالإنتاج، فعدد الزبناء قليل رغم غلاء المنتجات، لهذا السبب، يجب إدارة الموارد بشكل جيد جدا، إضافة إلى ضرورة الاهتمام بالعلاقات مع العملاء، فهي أساس أرباح المؤسسة.

6 – حسب الطلب – Tailored

في هذه الاستراتيجية، تقوم الشركة بصنع منتج خاص لكل زبون حسب طلبه الخاص.

تشدد هذه الاستراتيجية على العلاقة مع الزبناء، و هي قريبة من استراتيجية التخصص، خاصة أن المنتجات في كلا الاستراتيجيات تعتبر غالية.

السابق
تجزئة السوق في التسويق الاستراتيجي – الدرس 7
التالي
الدرس الأول : مفهوم الكائنات Object

تعليق واحد

أضف تعليقا

  1. التنبيهات : التموقع - التسويق الاستراتيجي - إِتْقَان

شاركنا برأيك