مقدمة في التسويق

التموقع في التسويق الاستراتيجي – الدرس 9

مقدمة في التسويق

باسم الله الرحمن الرحيم

بعدما تعرفنا على خطوتين مهمتين في التسويق الاستراتيجي: تقسيم السوق و الاستهداف، نتطرق في هذا الدرس إلى آخر خطوة و التي تختتم تغطيتنا المختصرة للتسويق الاستراتيجي، و هي خطوة التموقع Positioning.

المقصود من التموقع

“التموقع” هو تحديد التصور الذي سيحظى به منتوج الشركة في ذهن وخيال المستهلك، و الذي يميز هذا المنتوج عن منتوجات المنافسين.

التموقع المرغوب فيه من قبل الشركة لمنتوجها الخاص قد لا يتطابق دوما مع تصور المستهلك و فكرته الأولية عن نفس المنتوج، لذا، لا بد من الانطلاق من وجهة نظر المستهلك عند دراسة تموقع منتوج ما، لكونه زبون الشركة و مصدر أرباحها.

من أجل صناعة تصور مرغوب فيه في ذهن المستهلك، لا بد للشركة أن تضع خطة مدروسة من البداية، و في هذه الخطة عليها أن تحدد أمرين أساسيين:

1 – إلى أي مجموعة منتجات ينتمي إليها المنتوج؟

يجب تحديد أولا ما هو نوع المنتجات التي ينتمي إليها المنتوج ضمن تصور المستهلك. فقبل أن نحاول جعل منتج ما متميزا، لا بد أن نحدد المرجع الذي سنقيس تميزه عليه.

على سبيل المثال، لنأخذ منتج شوكولا رخيصة الثمن و بنكهات مختلفة. هذا المنتج ينتمي إلى مجموعة منتجات الشوكولا، إذ توجد عدة أنواع و عدة نكهات بمختلف الأثمنة. و لكن، المنتوجات الأخرى من الشوكولا ليست المنافس الوحيد لمنتجنا، بل هناك مواد غذائية أخرى قد يقتنيها المستهلك عوض اقتناء منتجنا، مما يجعلها منافسا غير مباشر، و كأمثلة على هذه المنتجات: العصائر، البسكويت… إلخ.

يتم وضع المنتج ضمن مقارنة مع باقي المنتجات، فقد يختار المستهلك أن يقتني منتجنا، أو منتجا مشابها و لكن لشركة أخرى، أو قد يقتني منتجا مختلفا و لكن ليرضي نفس الحاجة…

إذا، فالكون المرجعي يشمل فئة المنتجات التي ينتمي إليها منتج ما في ذهن المستهلك.

من خلال هذا التفكير، يصبح من السهل على المستهلك استيعاب المنتوج، و بالتالي يتخذ موقعا و مكانا واضحا في ذهن المتسهلك و حياته.

2 – ما الذي يجعله مختلفا عن باقي المنتوجات المماثلة؟

في هذه النقطة، من أجل تحديد المكانة أو التصور الذي ترغب الشركة بأن يحضى به المنتج في السوق من وجهة نظر المستهلكين، يتم مقارنته مع منتوجات الشركات المنافسة على مستوى نفس السوق. لذلك يتم تحديد نقاط التشابه و نقاط الاختلاف بين المنتج و منتجات المنافَسَة.

نقاط الاختلاف – POD

نقاط الاختلاف، أو Points of difference، تعني الصفات أو الجوانب المختلفة نسبيا في المنتج مقابل منتجات المنافسين المتشابهة.

الاعتماد المبالغ فيه على نقاط الاختلاف عند تسويق المنتوج يمكن أن يجعل المستهلك يظن بأن المنتوج لا يرضي بالتحديد احتياجاته.

نقاط التشابه – POP

على عكس نقاط الاختلاف، فإن نقاط التشابه، أو Points of Parity، تعني الصفات أو الجوانب التي تشبه إلى حد كبير منتجات المنافسة.

و كما ذكرنا فيما يخص نقاط الاختلاف، فإن الاعتماد المبالغ فيه على نقاط التشابه سيولد فكرة لدى المستهلك بأن المنتج مجرد تقليد لمنتج مشهور على السوق.

الغرض من تحديد نقاط التشابه و نقاط الاختلاف

التسويق الاستراتيجي هو من أول الخطوات التي تأخذها شركة ما قبل الشروع في الإنتاج، سواء عند الدخول في سوق جديدة تماما أو عند إنشاء منتج جديد في سوق موجودة مسبقا.

من أجل الحصول على نسبة من السوق، أي الحصول على نسبة عملاء دائمين، لا بد من جذب انتباه هؤلاء للمنتج. فبتوجيه انتباههم من منتجات المنافسة إلى منتجات الشركة تنجح هذه الأخيرة في تقليل نسبة السوق الخاصة بالمنافسين و الرفع من نسبتها الخاصة، و بالتالي تفرض تنافسيتها.

لتغيير السلوك الشرائي للمستهلكين و جذبهم نحو منتج الشركة، لا بد لهذا لأخير أن يثبت قدرته على إشباع الحاجة الرئيسية التي يستهدفها، بالإضافة إلى توفره على جوانب جديدة أو مختلفة تميزه عن باقي المنتجات في السوق.

من أجل هذا الهدف، يتم تحديد نقاط التشابه بين المنتج و منتجات الشركات المنافسة، لكونهم يستهدفون نفس الحاجة الرئيسية و نفس السوق، كما يجب أن يتوفر أيضا على نقاط الاختلاف و التي تجعله متميزا و ليس مجرد نسخة عن المنتجات الموجودة مسبقا.

الاختيار بين نقاط التشابه و نقاط الاختلاف

رغم أنه ذكرنا سابقا أنه يجب الموازنة بين نقاط التشابه و نقاط الاختلاف، إلا أن هناك حالات معينة عندما تقوم الشركات بالتركيز أكثر على جانب واحد، من ضمنها:

الاعتماد أكثر على نقاط التشابه:

– عندما تكون الشركة ضعيفة في السوق، فإنها قد تُسوق نفسها على أنها مُنَافِسة شبيهة بشركة ناجحة و تقدم منتجا شبيها بمنتجها إلى حد كبير. الهدف من هذا التموضع هو استغلال شهرة و سمعة الشركة المنافسة الأخرى من أجل تسويق منتجها المماثل.

الاعتماد أكثر على نقاط الاختلاف:

– عندما تكون الشركة رائدة في السوق، فإنه لا بد أن تحافظ على مكانتها المميزة من خلال تقديم عروض مختلفة و منتج ذو مزايا تتفوق على باقي المنتجات.

– عندما تقدم الشركة مجموعة منتجات متنوعة، يجب أن تركز على نقاط الاختلاف بين منتجاتها حتى لا تتشابه على المستهلكين و تتجنب انخفاض حجم أو ايرادات المبيعات الخاصة بأحد منتجاتها نتيجة لباقي المنتجات، أو ما يصطلح عليه بـ Market Cannibalisation.

تحديد وضعيات التموقع

وضعيات التموقع

يجب التمييز بين عدة وضعيات مختلفة تهم تموقع المنتوج:

– التموقع الواقعي:

هو التموقع الذي يتواجد به المنتوج بشكل موضوعي و نظري حسب المعايير التي وضعتها الشركة لتحديد موقع منتجها.

– التموقع المرغوب فيه:

هو تصور و تموقع المنتج الذي تحدده الشركة و ترغب به بعد إجراء عدة دراسات تهم السوق و توقعات المستهلكين و المنافسين، قد يكون التموقع المرغوب فيه مختلفا عن التموقع الواقعي للمنتوج، لذا على الشركة العمل على التقليل من هذه الفجوة و تقريب منتجها إلى التصور الذي ترغب في أن يحضى به ضمن أذهان المستهلكين.

– التموقع المُتَصوَّر:

هو تصور و مكانة المنتوج الفعلي ضمن ذهن المستهلك بعدما تم تسويق منتج الشركة.

الفجوة بين الوضعيات و أسبابها

قد تتواجد فجوة بين هذه الوضعيات، أي أن الموضع الذي نوجد فيه، بعيد عن الموضع الذي نرغب أن نتواجد به، و مختلف عن الموضع الذي يتم تصورنا به.

هذه الفجوات، قد تحدث بسبب المنافسة القوية من المنتجات المشابهة، بحيث قد يسرق منتج ما انتباه و تقدير المستهلك ليجعل منتجنا في مكانة ثانوية أو غير مهمة في تصوره. كما يمكن أن يكون السبب هو سوء تصميم الرسالة التسويقية أو عدم فهمها كما يجب من قبل المستهلكن فيتكون لديهم تصور مختلف عن وظيفة المنتج.

لذا، على الشركة أن تبقى دوما متيقضة و تراقب ردة فعل مستهلكيها و تدرس مختلف العوامل المؤثرة لتعمل على التقليص من هذه الفجوات من أجل بلوغ المكانة التي ترغب بها ضمن تصور المستهلك.

الخرائط الإدراكية

دور الخرائط الإدراكية

الخرائط الإدراكية أو perceptual maps هي خرائط تسمح لنا بالتعرف على المكانة أو الموقع الذي تحضى به علامة تجارية أو منتج معين مقابل علامات تجارية أو منتجات منافسة حسب تصور و توقعات المستهلكين.

لإنشاء خارطة إدراكية، يتم الاعتماد على بعدين أساسيين حسب وجهة نظر المستهلكين. لنأخذ على سبيل المثال الفنادق، سنأخذ كمعيارين:

  • مجموعة الخدمات المقدمة: عدد الخدمات التي يوفرها الفندق للزوار
  • السعر: تسعيرة الليلة الواحدة بالأخذ بعين الاعتبار الخدمات.

بناء على هذين المعيارين، يمكن أن ننشئ خارطة كالتالي:

الفندق “أ” يعد خيارا مثاليا للأشخاص الذين يحبون الفنادق الفخمة و الخدمات المتنوعة خلال أسفارهم و القادرين على تغطية أثمنتها. أما الفندق “ب”، فهو للأشخاص ذوي ميزانية متوسطة، إذ يقدم مجموعة خدمات متنوعة و لكن محدودة مقارنة مع الفنادق الفخمة، مقابل سعر متوسط. أما الفندق “ج”، فهو للأشخاص الذين يبحثون عن فنادق ذات خدمات متنوعة قليلا و لكن بأسعار منخفظة عن الفنادق الاخرى، بغض النظر عن جودتها. في حين يمثل الفندق “د” خيارا جيدا لمحبي السفر ذوو ميزانية جد محدودة، فعوض المكوث في فندق ثمنه مرتفع قليلا مقابل سرير واسع و حمام خاص و قائمة إفطار، يفضلون الإقامة في مكان أرخص رفقة مسافرين آخرين في غرف مشتركة.

قد يعتقد صاحب فندق ما أن خدمات فندقه متنوعة و ذات سعر جيد، في حين قد تكون خدماته في وجهة نظر النزلاء مُسَعَّرة بشكل مرتفع مع أنها قليلة أو غير جيدة مقارنة بباقي الفنادق. لذلك، فإنه من الضروري الانتباه لتصور المستهلك، فالمنتج في وجهة نظر صانعه جيد لا يخلو من عيب، و لكنه قد يبدو عكس ذلك تماما في نظر المستهلك.

فوائد و عيوب هذه الخرائط

هذه الخرائط تمنح رؤية عامة لتموضع مختلف المنتجات أو العلامات التجارية على السوق، مما قد يسمح بإيجاد فجوات بين هذه المنتجات، الأمر الذي يرجح وجود قسم معين من السوق خال من العرض. كما أنه من خلال الاعتماد على نتائج دراسة السوق و توقعات المستهلكين، يمكن تحليل وضعية المنافسين.

مع ذلك، فإن نتائج الخرائط الإدراكية مرتبط بمدى مصداقية دراسة السوق و فعاليتها. فضلا عن أن وجود قسم من السوق فارغ من المنافسين و العروض لا يعني أن الاستثمار فيه سيكون مربحا لغياب المنافسة، بل قد يكون دليلا على أنه لا يوجد من هو مهتم بذلك النوع من المنتجات و العروض.

فائدة تحديد مكانة أو موقع المنتج

  • يساعدُ تحديد موقع المنتج بشكل واضح المستهلكَ على التمييز بين هذا المنتج و المنتجات التنافسية و أيضا بين منتجات نفس الشركة.
  • إن وجود عدد من المنتجات التي تتموقع بشكل واضح بالنسبة للمستهلكين يزيد من القوة التنافسية الشركة في السوق.
  • زيادة مبيعات الشركة وولاء العملاء لها بفضل فهمهم للمنتجات بشكل جيد مما يسمح لهم بتذكرها و الولوج إليها عوض المنتجات المنافسة.
  • تجنب انخفاض حجم أو إيرادات مبيعات منتجات الشركة بسبب إصدار منتج جديد لها، بحيث يصير المستهلكون مدركين للفرق بين مختف منتجات الشركة، عوض اعتبارهم منتجات متشابهة.
  • عندما يتم تسويق منتج ما على أنه متميز و مختلف عن باقي منتجات المنافسين، فذلك يجعل المستهلكين يركزون على القيمة المقدمة من المنتج دون وضع اعتبار للأسعار، فيصبحون أقل حساسية اتجاهها.

نهاية الدرس

بهذا الدرس، نختتم إطلالتنا المقتضبة حول التسويق الاستراتيجي، و بهذا نكون قد عالجنا مختلف مراحل منهجية STP :

رغم ذلك، لا يمكننا أن نقول أننا عالجنا جميع ما يمكن التعرف عليه حول هذه المراحل. نشجع الراغبين في تعلم المزيد على البحث و دراسة مختلف كتب التسويق.

السابق
14 : دورة إحتراف HTML5 بمنهجية أكاديمية (عناصر Iframes )
التالي
المنتج في التسويق التطبيقي – الدرس 10

شاركنا برأيك